الثعالبي
274
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
( ولئن أخرنا عنهم العذاب ) ، أي : المتوعد به ( إلى أمة معدودة ) ، أي مدة معدودة ( ليقولن ما يحبسه ) ، أي : ما هذا الحابس لهذا العذاب ، على جهة التكذيب ، ( وحاق ) : معناه : حل وأحاط . البخاري : حاق : نزل . ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة . . . ) الآية : " الرحمة " هنا : تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك ، و ( الإنسان ) هنا اسم جنس ، والمعنى : إن هذا الخلق في سجية الإنسان ، ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان / إلى الصبر والعمل الصالح ، و ( كفور ) هنا : من كفر النعمة ، وال ( نعماء ) : تشمل الصحة والمال ، وال ( ضراء ) : من الضر ، وهو أيضا شامل ، ولفظة ( ذهب السيئات عني ) : يقتضي بطرا وجهلا أن ذلك بإنعام من الله تعالى ، و ( السيئات ) هنا : كل ما يسوء في الدنيا ، وال ( فرح ) ، هنا : مطلق ، فلذلك ذم ، إذ الفرح انهمال النفس ، ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحا إلا إذا قيد بأنه في خير . وقوله : ( إلا الذين صبروا ) : استثناء متصل ، على ما قدمنا من أن الإنسان عام يراد به الجنس ، وهو الصواب ، ومن قال : إنه مخصوص بالكافر قال : ههنا الاستثناء منقطع ، وهو قول ضعيف من جهة المعنى ، لا من جهة اللفظ ، لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس ، كما تقتضي لفظة الإنسان واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره ، والمثابرة على عبادة الله ، وليس شئ من ذلك في سجية البشر ، وإنما حمل على ذلك خوف الله وحب الدار الآخرة ، والصبر على العمل الصالح لا ينفع إلا مع هداية وإيمان ، ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم . وقوله سبحانه : ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ) : سبب هذه الآية : أن كفار قريش قالوا : يا محمد ، لو تركت سب آلهتنا ، وتسفيه آبائنا ، لجالسناك واتبعناك ، وقالوا له : ائت بقرآن غير هذا أو بدله ، ونحو هذا من